الأربعاء، 27 مايو، 2009

السياسة الحق والعدالة

الحق والعدالة

تمهيد وطرح إشكالي: يتحدد الحق باعتباره قيمة أخلاقية وعقلية،مما يجعله يتعارض مع ماهوواقع من جهة أولى، ويضفي عليه الطابع المعياري من جهة ثانية،بمعنى ما يجب أن يكون في مقابل ماهو كائن ،إنه يؤسس المشروعية السياسية للدولة المعاصرة ،أي لدولة الحق والقانون، كما يجسد العدالة كمثال أخلاقي كوني،وكأفق إنساني، وأخيرا إنه غاية وجودية يتطلع إليها الجميع بدرجات متفاوتة.

فما الحق؟وعلى أي أساس يقوم؟ومن أين يستمد مشروعيته؟

01 ــ دلالة مفهوم الحق:ما الحق؟وكيف يتمفصل مع العدالة؟

يدل مفهوم الحق في بعده الشخصي على القواعد العقلية والأخلاقية التي توجه تصرفات الإنسان في علاقته مع ذاته ومع الغير،من منظور ثنائية الخير والشر،والصواب والخطأ.أما من حيث الاصطلاح الفلسفي، فقد حدده أندري لالاند في معجمه الفلسفي كما يلي"إنه ما لايحيد عن قاعدة أخلاقية،يعني ما هو مشروع وقانوني مقابل ماهو فعلى وواقعي"إن هذا التحديد يوسع من مفهوم الحق ليشمل المجال الاجتماعي والسياسي،غير أن ماهو قانوني ليس بالضرورة حقا مما يطرح مشكلة علاقة الحق بالعدالة.

نص الانطلاق:ما علاقة الحق بالعدالة؟ برودون ص162 رحاب.+

رغم اختلاف الفلاسفة في تحديد مفهوم العدالة،فإنه إجمالا يمكن اعتبارها فضيلة أخلاقية،ومساواة بين البشر كذوات عاقلة ،يقول برودون"القوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية"لذا لايمكن فصل العدالة عن مفهوم الحق،لأن هذا الأخير مستمد منها،كما لايمكن فصلها عن المساواة.

02 ــ الحق بين الطبيعي والوضعي:

على أي أساس يقوم الحق؟هل على القوة و الأمر الواقع؟أم على العقل و التعاقد؟

يرى مجموعة من الفلاسفة والمفكرين أن حالة الطبيعة[المفترضة]،تميزت بما يمكن تسميته بحق القوة أو حق الطبيعة،أي تلك الحالة التي كان الإنسان يتمتع بها بحرية مطلقة في أن يتصرف كما يشاء، وفق قوته وقدراته،مما يؤدي إلى" حرب الكل ضد الكل"حسب توماس هوبز،وكان القانون السائد هو قانون البقاء للأقوى والأصلح،يقول سبينوزا في هذا الصدد"وعلى ذلك فإن الحق الطبيعي لكل إنسان يتحدد حسب الرغبة والقدرة،لاحسب العقل السليم"بمعنى أن الحق يتأسس على القوة والغريزة، وكأن الأمر يتعلق بالعالم الحيواني.غير أن هذه الحرب الشاملة،وانعدام الإستقرارهي التي دفعت بالإنسان إلى التفكير في حالة الأمن والسلم،والسعي للانتقال إلى حالة المدنية،والتنازل عن بعض حقوقه الطبيعية لصالح حاكم أوأمير، مقابل الحرية والأمن.

إلا أن ج.جاك.روسو اعتبر أن حالة الطبيعة كانت حالة سلم مطلق، غير أن ظهور الأسرة والعشيرة والملكية الفردية أدت إلى بروز صراعات أصبحت تهدد هذا السلم مما فرض على الإنسان الدخول في شراكة اجتماعية، أي في التعاقد من خلال[العقد الاجتماعي]المعبر عن الإرادة العامة المشتركة، مما سيضمن له حقوقه المدنية والسياسية. بذلك تحول الإنسان من الحق الطبيعي إلى الحق الوضعي أي الحق المبني على الاتفاق والمواضعة، والمؤسس على العقل والإرادة الحرة، وليس على الغريزة والرغبة.

03 ــ العدالة باعتبارها أساس الحق:

يرى سبينوزا أن العدالة تجسيد للحق وتحقيق له،"إنها استعداد دائم للفرد لأن يعطي كل ذي حق ما يستحقه طبقا للقانون المدني"بمعنى أنه يتوجب على الحاكم الممثل للدولة، التعامل مع المواطنين كلهم على قدم المساواة ويحافظ على حقوقهم. وفي نفس السياق يعتبرآلان أن هناك تطابقا تاما بين الحق والمساواة،وبالتالي لايمكن تصور الحق إلا في إطار المساواة التي لا تميز بين الأشخاص رغم اختلافهم على مستوى الجنس واللون والثروة يقول"ما الحق؟ إنه المساواة" بمعنى انه لايمكن الفصل بين مفاهيم الحق والعدالة والمساواة،يقول "لقد ابتكر الحق ضد اللامساواة.و القوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية،سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا،أومرضى أوجهالا.أما أولئك الذين يقولون إن اللامساواة هي من طبيعة الأشياء،فهم يقولون قولا بئيسا"،وكأنه بذلك، يعارض القول الأفلاطوني"إمارة العدل أن يسود الأقوى من هو أقوى منه"،وفي نفس الوقت ينتقد الآراء الشائعة التي تروج

للنزعات العنصرية والطبقية،وتشرعن للامساواة بين الأفراد والجماعات.

04 ــ العدالة بين المساواة والإنصاف:ألا تعتبر المساواة المطلقة ظلما؟

يرى الفيلسوف اليوناني أرسطو، أن العدالة والإنصاف متطابقان،إلاأن الإنصاف أفضل،باعتباره الشرط الأساسي لتصحيح ما يلحق العدالة من أخطاء أثناء التطبيق،أخطاء ناتجة عن عمومية قوانينها"إن الطبيعة الخاصة بالإنصاف تكمن بالضبط في تصحيح القانون،وتجاوز عدم كفايته بسبب عمومية خطابه"،فالعدالة التي لاتكيف القوانين ولا تأخذ بعين الاعتبار الحالات الخاصة كالمعاق،والمريض،والطفل.... تعد ظلما !!!

إن الفيلسوف الأمريكي راولس بدوره، يرى بأن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف،الذي لا يضع عراقيل أمام الأشخاص المتفوقين والموهوبين لبلوغ المراتب العليا،شريطة احترام مبدأ تكافؤ الفرص، وفسح المجال للذين أقل منهم للاستفادة من نفس الحظوظ وبلوغ نفس المراتب.

تحليل نص ماكس شيلر: المساواة الجائرة"تقول ألأخلاقية الحديثة بأن جميع الناس متساوون أخلاقيا،وأن لأعمالهم،مهما اختلفت صورها وأشكالها،قيمة أخلاقية.فليس ثمة نعمة ولا مؤهلات،تختلف بحسب الأفراد أو السلالات أو الشعوب....إن مذهب المساواة المطلقة الحديثة تصدر بالتأكيد عن الكراهية والحقد.

يبدو واضحا أن هذه المساواة المنشودة ــ غير المضرة في الظاهرــ تتستر دائما عن الرغبة الوحيدة في خفض الأشخاص المعتبرين أكبر و أعظم من غيرهم،إلى مستوى الأشخاص الذين هم في أسفل دراجات السلم.ما من أحد ينشد المساواة حينما يشعر بأنه يمتلك قوة أو نعمة، تتيح له أن يتفوق.أما الذي يخشى الخسارة،فهو وحده الذي ينشد العدالة والمساواة العامة...إن المساواة بصفتها فكرة عقلانية لم تستطع أن تحرك إرادة أو رغبة أو عاطفة، ولكن وراء هذه المساواة المنشودة يتستر الحقد على القيم السامية"

ليست هناك تعليقات: