الأربعاء، 27 مايو، 2009

المعرفة النظرية والتجربة.

النظرية والتجربة.

تقديم المفهوم:يبدو أن علاقة النظرية بالتجربة منذ نشأة المعرفة العلمية إلى اليوم علاقة جد وثيقة إلى حد لايمكن فصل أحد هذين الزوجين عن الآخر.
فقد أثبت تاريخ العلم بأن أي طريقة تجريبية أو عقلية أحادية الجانب تظل عاجزة الاحتفاظ بقيمتها، أي أننا أمام تأثير متبادل ،وحوار أبدي بين الفكر والواقع، لكنه تأثير خصب، يعكس الطابع المتقدم للمعرفة العلمية، كما أنه حوار يرقى فيه الفكر ليلقي بظلاله على التجربة، كل هذا يتخذ طابع نظريات علمية متتالية ينقح بعضها الآخر، وينفيه، أو يناقض الجديد منها القديم ويكمله، فالتجربة والنظرية يتبادلان النصح باستمرار، ويتكاملان بكيفية متبادلة، غير أن المبادرة تكون دائما للعقل. فما النظرية وما التجربة؟
يحيل لفظ النظرية في التحديد الاصطلاحي على ماهو فكري مجرد في مقابل ماهومادي واقعي و محسوس، ولهذا اتخذت النظرية كبناء مفاهيمي فرضي استنتاجي يتشكل من قوانين عامة تتعلق بظواهر مخصوصة يرتبط بعضها ببعض ارتباطا متسقا من خلال عمليات تنظيرية متكاملة الجوانب واقعيا،ومنهجيا،ومنطقيا.
ما التجربة؟
يقصد بالتجربة في الحقل التداولي مجموع المعارف.والخبرات.والمهارات التي يكتسبها الشخص في مجال معين. وفي المجال الفلسفي يرتبط مفهوم التجربة بالواقع المادي.وبالمعطيات الحسية. فمن منظور.الاتجاه التجريبي الاختباري مثلا بزعامة جون لوك يعتبر التجربة المصدر الوحيد لتحصيل المعرفة باعتبار أن العقل عبارة عن صفحة بيضاء ليس فيه إلا ماتنقله الحواس. في مقابل الاتجاه العقلاني بزعامة ديكارت الذي يقصي كل دور للتجربة في عملية المعرفة.غير أن مفهوم التجربة في الحقل العلمي والابستمولوجي سيتخذ دلالة مختلفة تنأى به عن ماهو مادي ومحسوس.لذلك يبدو التمييز بين التجربة والتجريب أمرا ضروريا.

الحقل الإشكالي للمفهوم:
يضعنا مفهوم النظرية والتجربة أمام سلسة من الإشكالات والمفارقات، تعكس طبيعة المعرفة العلمية وتطورها في علاقتها بالواقع، ويمكن التعبير عن بعض هذه الإشكالات بالتساؤلات التالية:
ما الفرق بين التجربة كمعطى حسي، وبين التجريب كمساءلة منهجية للطبيعة؟و ما دور كل من العقل والخيال في العلم؟ ألا يمكن الحديث عن تجربة ذهنية؟ ثم هل النظريات العلمية عبارة عن قوانين تجريبية لا تثبت صحتها إلا من خلال التحقق الاختباري والتجريبي؟ أم أنها أنساق عقلية وأبنية حرة لا تستمد صلاحيتها من الواقع، ولا مصادقة التجربة عليها، بل من التماسك المنطقي والاتساق بين المقدمات والنتائج؟ و ما الأسس التي تقوم عليها العقلانية الكلاسيكية والعقلانية العلمية المعاصرة؟ و أخيرا ما حدود النظريات العلمية ؟ وهل تقدم حقائق ثابتة مطلقة؟ أم مجرد معرفة نسبية مؤقتة؟

الوضعية المشكلة:( نص افتتاحي)
" إن النظريات العلمية مثلها مثل جبال الجليد في البحار القطبية، فيه جزء ضخم منغمر، ليس علميا. ولكنه ضروري للتطور العلمي، في هذا الجزء المنغمر، تقع النقطة العمياء في العلم الذي يعتقد أن النظرية العلمية هي انعكاس للواقع. إن ما هو علمي خاصيته أنه لا يعكس الواقع، بل يترجمه إلى نظريات متغيرة قابلة للتكذيب.
إن تاريخ المعرفة العلمية ليس تاريخ تراكم وتوسع، إنه أيضا تاريخ التحولات والقطائع والانتقال من نظرية إلى أخرى، فالنظريات العلمية فانية وهي علمية لأنها فانية... ولذلك فإن المعرفة العلمية تتقدم في مستواها التجريبي بمراكمة {الحقائق}، وفي مستواها النظري بإلغاء الأخطاء. إن حركة العلم ليست حركة في اتجاه امتلاك الحقيقة، إنها حركة تختلط فيها المعركة من أجل بلوغ الحقيقة مع الصراع ضد الخطأ"
إدغار موران ــ علم مع وعي.

المحور الأول: التجربة والتجريب
يجمع العلماء على ضرورة التمييز بين التجربة الخام بما هي حصيلة ملاحظاتنا للظواهر وبين التجريب كخطوة منهجية أساسية في المنهاج العلمي، يبد و أن التجربة الخام لم تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي سوى دور العائق. من هنا مناداة باشلار بضرورة انفصال النظرية العلمية بما هي إنشاء فكري نظري عن التجربة الحسية، والملاحظة العادية،لأن هذه المعرفة في نظره لاتنتج سوى بادئ الرأي(الحس المشترك)
وبادئ الرأي مخطئ من حيث المبدأ. انه يفكر تفكيرا سيئا.ويترجم الحاجات إلى معارف.
أما التجريب العلمي فهو الجزء التطبيقي و العملي للمنهاج التجريبي.كما دشنه فرنسيس بيكون و هو المنهاج الذي يتميز بخصائص أساسية أهمها الملاحظة والتجريب،ثم الطريقة الافتراضية الاستنباطية ،ثم الصياغة الرياضية لينتهي إلى صياغة القوانين العلمية.
إذا كان العالم ينطلق من ملاحظة واقعة معينة فان التجريب كما يعرفه كلود برنارد هو الانتقال من الملاحظة العادية إلى الملاحظة العلمية،عن طريق توفير الشروط اللازمة لدراسة الظاهرة مع الاستعانة بالأدوات والأجهزة التي تساعد على ذلك،إنه إنشاء للظاهرة مخبريا.ومساء لة منهجية للطبيعة من أجل إرغامها على الجواب إن علماء القرون الوسطى بالرغم من أنهم كانوا يقضون أوقاتهم في تعذيب الطبيعة كي تبوح لهم بأسرارها .فان الطبيعة لم تجبهم بشيء .لأنه كانت تنقصهم الروح التي تميز المنهاج العلمي الحديث، وهو التجريب، لذلك فالتحول الذي سيحدث بالفعل قطيعة بين الفيزياء الحديثة والفيزياء الكلاسيكية، هو اكتشاف جاليليو أهمية التجريب،إلى درجة أن سمى تلامذة جاليليو أكاديميتهم أكاديمية التجريب، فلا علم بدون تجريب، وأن الماء يصعد في المضخة لا لأن الطبيعة تخاف الفراغ ــ كما كان يعتقد من قبل ــ بل نتيجة ضغط الهواء عليه.
إذا كان الهدف من التجريب حسب التصور التقليدي هو التحقق من صدق وصحة فرضية ما،وإذا كانت الفرضية من إبداع العالم واقتراحه، ألا نكون بصدد تجربة ذهنية أو عملية فكرية؟ ما دور العقل والخيال في بناء النظرية العلمية؟ يقول كلود برنارد في هذا الصدد:
"ينبغي بالضرورة أن نقوم بالتجريب على فكرة متكونة من قبل، وينبغي على عقل صاحب التجريب أن يكون فعالا، أعني أنه يتعين عليه أن يستوجب الطبيعة، وأن يوجه إليها الأسئلة ليرغمها على الجواب"
إن الفرض هو مرحلة الإبداع في الاستدلال التجريبي، ذلك أن وضع الفروض من عمل الفكر يدخل فيها مايقال أنه حدس من جهة،وبحث طويل من جهة أخرى، فالإبداع من صنع الخيال، والمقصود بالخيال الخيال العلمي الرياضي ،لأن الطبيعة لا يمكنها الإجابة إلا على الأسئلة التي يطرح عليها في صيغة رياضية( أرقام ورموز، وأشكال هندسية) يكو ن فيها العلم مضطرا بأن يفسر بها الواقع باللاواقع، ما هو موجود بما ليس موجودا، هكذا تقترن التجربة بالعقل والخيال. لقد صرح كويري "بأن التجربة في مفهوم جاليليي وليدة خيال عجيب، وأن فكرة تحويل السقوط من سقوط حر في الطبيعة إلى السقوط على سطح مائل
(يصنع في المختبر) هي إحدى سمات العبقرية.." هكذا يلعب العقل والخيال دورا هاما إلى جانب المعطيات التجريبية،فمنذ القرن 19 ظهر اتجاه ابستمولوجي (وييل) في انجلترا وكلود برنارد في فرنسا، يؤكد دور العقل وقدرته على تفسير الظواهر وبيان أسبابها، ومع تطور العلم أصبح لايحرم البحث عن الأسباب والتساؤل عن طبيعة الظواهر وماهيتها، كالطاقة والكهرباء والضوء... بل هذه الأسئلة أصبحت مشروعة وضرورية لتقدم المعرفة العلمية، فلم تعد مهمة النظرية العلمية مهمة وصفية تقف عند حدود العلاقات بين الظواهر كما كان يدعو إلى ذلك الاتجاه الوضعي التجريبي.

النص: " أعتقد أن واقعة تجريبية لايمكن أن تكون علمية إلا إذا استوفت شرطين:
1 ــ أن تكون قابلة لإعادة الصنع، وهذا يتطلب أن تكون محاضر إعداد التجربة وإجرائها دقيقة بما يكفي للتمكن في أزمنة وأمكنة أخرى من إعادة التجربة.
2 ــ أن تثير اهتماما.. قد يكون تطبيقيا عمليا (تكنولوجيا) أونظريا. يقوم الاهتمام التطبيقي في الاستجابة لحاجات بشرية، أما الاهتمام النظري، فإنه يعني أن البحث يدخل ضمن إشكالية علمية قائمة، وفي هذه الحالة يكون الهدف من التجريب، حسب التصور التقليدي هو التحقق من صدق أو صحة نظرية ما.
من أين تأتي الفرضية؟لا وجود لفرضية دون وجود لشكل من أشكال النظرية، والنظرية تتضمن دائما كيانات خيالية يتم التسليم بوجودها، ويتعلق الأمر هنا بالعلاقات السببية التي تربط السبب بالنتيجة، والواقعة النظرية تهدف إلى إثبات أو تكذيب وجود كيانا نظرية مسلم بها أو متواجهة. لقد ذهب المؤسس التاريخي للمنهج التجريبي فرانسيس بيكون إلى الاعتقاد بأن استخدام التجريب يتيح وحدة التحليل السببي لظاهرة من الظواهر وهذا وهم ... إن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف سبب أو أسباب ظاهرة ما، ففي جميع الأحوال ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي، وهذه القفزة داخل الخيالي، هي أساسا عملية ذهنية، تجربة ذهنية، لا يمكن لأي جهاز آلي أن يعوضها... وبعبارة أخرى إن التجريب لايمكنه ليكون علميا وذا مغزى أن يستغني عن التفكير ، والتفكير عملية صعبة تفلت من كل رتابة ومن كل منهج" روني توم ــ فلسفة العلوم اليوم ــ جوتيه فيلار 1986 ــ ص129

يطرح النص أهمية التجريب، وشروطه وحدود صلاحيته العلمية.
أفهم المجال الإشكالي للنص:
أصوغ إشكال النص من خلال أسئلة دقيقة، موظفا فيه المفاهيم الأساسية التي تنسج أطروحة النص.
أبني أطروحة النص من خلال :
تحديد تصوره للعلاقة بين النظرية والتجريب، ودور كل منها
في فهم الظواهر الطبيعية.
أحلل أطروحة النص من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:
*كيف يمكن تمييز واقعة تجريبية علمية عن غيرها من
الوقائع؟
· ما وظيفة التجريب حسب النص وهل يعتبر وحده كافيا
لفهم وتفسير ظواهر الطبيعة؟
· يتحدث النص عن تجارب ذهنية إلى جانب التجارب المختبرية ، وضح ذلك؟
· أحلل وأناقش:
يطرح النص العلاقة بين التجريب والتفكير كشكل من أشكال النظرية، أوضح هذه العلاقة، وأناقش مدى أهمية العقل ودوره إلى جانب التجريب في فهم الوقائع العلمية وبناء النظرية الفيزيائية.

المحور الثاني: معايير النظريات العلمية:
إذا كانت التجربة هي بداية معرفة الواقع، ونهايته، فهل تقدم النظرية نموذجا عقليا للواقع يستمد صلاحيته من التجربة والتحقق الاختباري؟ أم إنها إنشاء عقلي حر يستمد صلاحيته من اتساقه المنطقي الداخلي،و ليس من مصادقة التجربة عليه؟ وهل يمكن الحديث في هذا المجال عن معايير أخرى لاختبار النظرية؟
تحتل الأطروحة الإختبارية التجريبية موقعا أساسيا في معالجة هذه الإشكالية على اعتبار أنها تقرن تصورها للنظرية العلمية بتصور فلسفي للواقع، يؤكد على نزعة اختبارية تقف عند المعطى الحسي. فالنظرية العلمية وفق هذا التصور تقدم صورة عن الواقع الذي تدرسه، ونماذج عقلية تعكس بنيته في قوانين علمية تتصف بالدقة والكلية ، تستمد صلاحيتها من التجربة، غير أن تطور العلوم بما رافقه من اكتشافات خاصة في مجال الميكروفيزياء، انطلاقا من نظرية " كوانطوم الطاقة" لماكس بلانك، و"نسبية اينشتاين" وغيرها...... فتح أمام العلم آفاقا جديدة و طرح مشاكل ابستمولوجية عويصة أجبرت العلماء على مراجعة المفاهيم العلمية، وإعادة النظر في تصوراتهم حول المادة،و الموضوع العلمي، وكذا طريقتهم في التفكير، انتهت إلى تجاوز المنهج التجريبي الكلاسيكي، ذلك أن جزئيات الذرة لا تقبل الملاحظة بالمجهر الإلكتروني، ولا يمكن التجريب عليها، وعلى حد تعبير غاستون باشلار:" إن الذرة مجمع رياضي لم يفصح لحد الآن عن سره" ومن ثم فإن الدور الأساسي أصبح يتمثل في استعمال الرياضيات، والمنهج الفرضي الإستنباطي، وهذا يؤدي إلى طرح المبدأ الأساسي في فلسفة الوضعيين التجريبيين ,هو مبدأ التحقق التجريبي،، فلم تعد التجربة بالمعنى الكلاسيكي (البيكوني) تشكل معيارا حاسما للحكم على فرضية ما، لقد اتخذت الظواهر الحسية صورة رموز رياضية ، فلم يعد الواقع العلمي ذلك المعطى المباشر الذي يمد العالم بمعلومات،لقد أصبح الواقع في مفهومه العلمي المعاصر،بنية، لا كائنات أو جواهر، إنه شبكة من العلاقات التي تنسجها الدوال والمعادلات الرياضية، لذلك أصبحت التجربة بعيدة عن المحسوس المشخص لتتخذ طابعا عقليا نظريا، فالمفاهيم الرياضية المجردة هي التي تقدم أطرا للتحقق والتجريب.
نتيجة لذلك ظهرت عقلانية جديدة، هي على حد تعبير غ. باشلار "عقلانية مفتوحة"، و ظهر معها مبدأ تعدد الاختبارات. وفي هذا الإطار اعتبر كارل بوبر أن التجربة الحاسمة لا توجد في العلم، وأن النظريات العلمية لا يشترط فيها أن تكون قابلة للاختبار اختبارا نهائيا، وإنما أن تكون قابلة للدحض والتكذيب بالتجربة،و إن هذه الطريقة تهدف إلى اختيار النسق الذي يبدو أصلح من أنساق أخرى، وذلك بتعريضها كلها لأقسى صراع من أجل البقاء، وفي نفس الاتجاه ، ومن موقع العقلانية المعاصرة، اعتبر اينشتاين بأن لا جدوى من التجربة في نسق الفيزياء النظرية، وأن العقل العلمي وحده يملك القدرة على فهم الواقع، غير أن مهندس النظرية النسبية لا يفك الارتباط بين النظرية والتجربة ، بل حدد لكل منهما موقعه، فالعقل العلمي يمنح النسق بنيته، أما معطيات التجربة فينبغي أن تكون مطابقة تماما لنتائج النظرية. غير أن ممثل المواضعاتية في فرنسا هنري بوانكاريه اعتبر بأن أساس تقدم العلم هو البحث عن اليسر والملاءمة، فهو المعيار الذي ينبغي أن يعتمده العالم في اختيار نظرياته وتفاسيره. فالنظرية لاتكون صحيحة أو خاطئة، بل ملائمة أو غير ملائمة، لأنه لا يمكن التأكد تماما منها بواسطة التجربة. إن النظريات العلمية في نظره مجرد مواضعات ووصفات علمية، يمكن الإستعاضة عن إحداها بالأخرى إن بدت لنا أكثر ملاءمة، وعلى هذا النحو تصبح للنظريات العلمية قيمة عملية (إجرائية) ومؤقتة، و لاتمثل حقائق ثابتة مطلقة بدليل بأنها تعدل وتغير باستمرار، وإن كان موقف بوانكاريه قد تعرض لنقد شديد من العقلانية المعاصرة...

النص"تنطلق النزعة التجريبية والإختبارية من أن المعرفة تابعة للموضوع الواقعي، فالمعرفة هي صورة الموضوع الواقعي،ولوحة ينعكس عليها هذا الموضوع،فهي ترجع كل التصورات الفيزيائية إلى نسخ التقطت عن طريق الحواس لموضوعات الطبيعة.هذا على مستوى المعرفة، أما على مستوى النظر إلى المعرفة ترفع الإختبارية مبدأ قابلية التأكد كمعيار للتأكد من القضايا.وإذا كانت النزعة الإختبارية ترى في المعرفة العلمية استمرارا للمعرفة الحسية، فإن نقد العقلانية المعاصرة يتخذ صورة تمييز بين الموضوع الواقعي أو المعطى، وبين موضوع المعرفة العلمية من حيث هو ليس معطى،بل المعطى وقد أضيفت علية الصبغة النظرية فتحول إلى موضوع معرفة علمية...أي أن الانتقال من الموضوع الواقعي إلى موضوع المعرفة لايتم بشكل خطي متواصل ــ كما تدعي النزعة الإختبارية ــ بل بطفرة نظرا لوجود قطيعة ابستملوجية بين الاثنين تجعل كل منهما في استقلال عن الآخر، لأجل هذا ترفض العقلانية المعاصرة المزاعم التجريبية محاولة إعطاء العلم صورة لائقة ألا وهي الأكسيومية، ومعنى كون العلم أكسيوميا أنه غالبا ما ينطلق من تصوراته نفسها كي يصل إلى الأشياء، وإذا كنا لا نلاحظ هذه المسألة جلية في الفيزياء الكلاسيكية فإنها تظهر بصفة مكشوفة في الميكروفيزياء حيث جميع التجارب تقوم على مبادئ ونظريات أفرزتها المعرفة سلفا، وأضحت بمثابة شروط نظرية للتجربة، فهي تجربة مملاة سلفا من ضرورات نظرية وعقلية،وكونها مشروطة يعني أن طرائقنا وإجراءاتنا وأساليبنا في البحث هي التي تلعب الدور الأساسي والحاسم فيها، فهي إذن حاصل ممارستنا العلمية،وناشئة عن إجراءاتنا المتبعة في إيجادها والعثور عليها، ومعرفتها".

الأسئلة:
أ ــ مستوى الفهم والتحليل:
1 ـ حدد الإشكال الذي يطرحه النص في صيغة إشكالية مبرزا طبيعة المفارقة التي يطرحها النص وبالاعتماد على مفاهيمه الأساسية.
2 ـ حدد ملامح الانتقاد الإبستمولوجي الذي وجهته العقلانية المعاصرة للرؤية التجريبية الإختبارية.
3 ـ ما هو تصور العقلانية المعاصرة للموضوع العلمي؟
4 ـ قارن بين مفهوم التجربة في التصور الكلاسيكي التجريبي، وتصور العقلانية العلمية المعاصرة.
5 ـ حدد دلالة المفاهيم التالية: الواقع ـ الموضوع العلمي ـ القطيعة الإبستملوجية ـ الطفرة
ب ــ سؤال المناقشة:
هل يمكن الحديث عن تجربة بالمعنى الكلاسيكي في مجال الميكروفيزياء؟
علل إجابتك.



المحور الثالث: العقلانية المعاصرة.
سبقت الإشارة أنه بتأثير من التطورات التي عرفتها مختلف العلوم، وخاصة في مجال الميكروفيزياء، ظهرت عقلانية جديدة عملت على مراجعة أسس ومبادئ المعرفة العلمية، وتكسير أطر المعرفة الكلاسيكية التي سماها باشلار "بالعقلانية الديكارتية" التي أفرزت مفاهيم إبستمولوجية ديكارتية تقوم بالأساس على مفاهيم: البداهة والبساطة أو الوضوح الشيء الذي يخالف الممارسة العلمية المعقدة في الفيزياء المعاصرة،وقد امتد هذا النقد للعقلانية الكلاسيكية ليشمل مفهوم العقل، مما أدى إلى تمزيق الإطار النظري الذي كان يتحرك فيه العقل، ونسق المبادئ التي كان يتأسس عليها كمبدإ الهوية، ومبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع،فبالرغم من أن فلسفة كانط اعتبرت بحق لونا عقلانيا أكثر انفتاحا عن باقي الألوان التقليدية، وبالرغم من تخليها عن فطرية المعرفة، وبرفضها لبعض اعتبارات النزعة العقلانية الديكارتية، إلا لم تخرج عن الأطروحة التقليدية للعقل بوصفه خزانا من الأفكار والمبادئ القبلية، وأنه بنية ثابتة، ومنظومة قواعد ومعايير تامة التكوين والإنجاز. إن العقلانية العلمية المعاصرة باستنادها إلى العلم أعادت النظر في هذا المفهوم الكلاسيكي للعقل،ونظرت إليه على أنه طاقة وفعالية، وراهنت على دوره وفاعليته في إنتاج المعرفة العلمية، فلم يعد العقل بنية ثابتة قبلية متعالية، أو أنه شيء جاهز اكتمل تكوينه،بل على أنه في طور التكوين،والنشأة، والتأسيس، إنها تقر بدينامية العقل الجدلية، وبحوار العقل والتجربة، إن العقل يراجع ذاته باستمرار، فهو في نقاش أزلي وصراع أبدي مع ذاته.إن التصور لا يصيب وبكيفية متآنية أطر العقل وبنيته، وفي هذا الإطار يقول باشلار:"إن العقل ليس شابا، إن عمره بقدر مشاريعه وفتوحاته.."غير أن العقلانية المعاصرة رغم انشدادها للعقل، وإيمانها بدوره وفاعليته في العلم فإنها لم تهمل العنصر التجريبي هكذا نجد غ. باشلار يقر بأن تقدم العلم يدفعنا إلى إعادة النظر في نزعتين كلاسيكيتين: النزعة العقلانية والنزعة التجريبية، ليخلص إلى أن العقلانية والتجربة مرتبطان في الفكر العلمي برباط غريب ومتين مثل الرباط الذي يجمع بين اللذة والألم، ففي انتصار إحداهما تبرير للأخرى، إن التجربة في حاجة لأن تفهم، والعقلانية في حاجة لأن تطبق... إن التجريبية بدون قوانين واضحة و متناسقة لايمكن أن تدرك،والعقلانية بدون حجج ملموسة وبدون تطبيق على الواقع المباشر لاتقنع تمام الإقناع ، إن التجريبية والعقلانية تكمل إحداهما الأخرى، وإن التفكير العلمي يعني أن نقف في الميدان الإبستملوجي بين النظرية والتطبيق، وهذا يعني أن المعرفة العلمية رغم ما حدث فيها من انقلابات وهزات، وبالرغم من أن الفيزياء المعاصرة أفرزت تصورا رياضيا لافيزيائيا للواقع ، فإن هذا لا يعني أن المعرفة العلمية معرفة صورية مجردة، إن المعرفة العلمية تهدف إلى تقديم صورة عن الواقع، والكشف عن العلاقات التي تربطك بين ظواهره في شكل نظريات علمية تتطور وتتجدد باستمرار، يقول إنشتاين" إن المفاهيم العلمية إبداعات حرة للعقل البشري، يحاول بواسطتها أن يقدم صورة عن الواقع، أقرب ما تكون من حققيقة ذلك الواقع، حقيقة يقترب منها العلم دون أن يتمكن من الإمساك بها كليا.." وإذا كان الواقع العلمي الجديد ــ على حد تعبير باشلارــ بنية لا أشياء وجواهر، فإن الفكر العلمي هو الآخر بنية تتشكل وتتطور من خلال الممارسات العلمية، وكل مقالة في الطريقة العلمية، ستكون دائما مقالة ظرفية، ومؤقتة ولن تصف بنية نهائية للفكر العلمي يقول باشلار:" إذا ماجزمنا بأن للمعرفة تاريخا، فإن الفكر يصبح ذاتية متغيرة،إن الفكر العلمي في جوهره تعديل للمعرفة، وتوسيع لأطرها، إنه يحكم ماضيه التاريخي ويلعنه، لذا فإن بنيته هي وعيه بأخطائه التاريخية، فالحقيقة بالمعنى العلمي، تعديل تاريخي لخطأ عمر طويلا"

النص:
" لو أمكن أن نترجم فلسفيا الحركة المزدوجة التي توجد حاليا في التفكير العلمي، فإننا نلاحظ تعاقب القبلي والبعدي واجب، وأن التجريب والعقلانية مرتبطان في التفكير العلمي ، بواسطة رباط غريب أقوى من الذي يجمع بين اللذة والألم،وفعلا فإن أحدهما ينتصر بالتسليم للآخر: فالتجريب في حاجة لأن يفهم، والعقلانية في حاجة لأن تطبق، وأيضا فإن التجريب من غير قوانين واضحة ومنسجمة و غير استنتاجية لا يمكن أن يفكر فيه أو يعلم، كما أن العقلانية إذا لم تستند إلى حجج ملموسة، وإلى تطبيقات على الواقع المباشر لايمكن لها أن تقنع تماما، ويمكننا أن نبرهن على قيمة قانون تجريبي إذا ما جعلنا منه قاعدة للتفكير، ونعطي الشرعية لتفكير ما عندما نجعل منه قاعدة لتجربة، فالعلم الذي هو مجموعة حجج وتجارب ومجموعة قواعد وقوانين في حاجة إلى فلسفة مزدوجة القطب: العقلانية والتجربة، فالأولى متممة للثانية" باشلارــ فلسفة اللا ــ ص4

أسئلة التحليل:
1ـ ما هي الأسس التي تقوم عليها العقلانية المعاصرة؟
2 ـ كيف يطرح النص العلاقة بين القبلي والبعدي، بين العقل والتجربة؟
3 ـ حدد أطروحة النص والحجج المؤسسة لها.
سؤال المناقشة:
ناقش تصور النص لطبيعة التفكير العلمي وأسسه، على ضوء مواقف أخرى من نفس الإشكال.

*موضوعات للبحث والتقويم:
ــ هل المعرفة العلمية استمرار للمعرفة الحسية؟
ــ يعتبر كلود برنارد التجربة ملاحظة ثانية وضح ذلك على ضوء الملامح الأساسية للمنهج التجريبي.
ــ "إن النظريات لاتكون حقا علمية إلا إذا كانت قابلة للخضوع لاختبارات تجريبية"
حلل هذا القول وناقش قيمته المعرفية مبرزا إلى أي حد تشكل التجربة معيارا حاسما لصدق وصحة النظرية العلمية.
ــ إذا كانت التجربة هي بداية كل معرفة متعلقة بالواقع فأي دور يبقى للعقل في العلم؟
ــ هل يمكن الحديث في ظل التطورات العلمية عن عقل ثابت لا متحول ؟ علل إجابتك.
ــ "إن العلم يبني موضوعاه، ويصنعها، فهو لا يجدها قائمة مكتملة قي التجربة".
اشرح هذا القول مبرزا دلالته في إطار العقلانية العلمية المعاصرة وتصورها للموضوع العلمي.
ــ هل الاكتشافات العلمية ترجع إلى فعالية المنهج الفرضي الاستنباطي أم إلى الاستقراء؟
ــ يقول إنشتاين" إن العلم يلزمنا بإبداع وخلق نظريات جديدة يكون الغرض منها هدم ركام التناقضات التي أصبحت تعيق الطريق أمام تقدم العلم، وجميع الأفكار الأساسية في العلم نشأت داخل هذا صراع مأساوي"
حلل هذه القولة، وناقشها مبرزا قيمة النظريات العلمية، وحدود صلاحيتها في ظل التطورات التي يعرفها تقدم المعرفة العلمية المعاصرة.

**المراجع المعتمدة:
العقلانية المعاصرة بين النقد والحقيقة. سالم يفوت ــ دار الطليعة بيروت
مدخل إلى فلسفة العلوم .ع الجابري ج 2 دار النشر المغربية
كيف أرى العالم؟إنشتاين فلامريون1934 باريس
علم مع وعي إدغار موران ــ فايار1982

ليست هناك تعليقات: