الأحد، 9 نوفمبر، 2008




الـغيـر

التقديم:
لم يوجد الإنسان ليعيش وحيدا، إنه في حاجة دائمة إلى الآخرين ليس فقط من أجل التعاون والتضامن، ولكن من أجل تقاسم الشعور بالوجود أيضا، فكل أحكامه ومشاعره وأعماله ليست لها قيمة ومعنى في غياب مشاركة الغير أثناء لحظات الفرح أو لحظات الحزن... ومن ثمة تنشأ لديه في أول الأمر الحاجة الملحة للتواصل اعتقادا منه أن الغير يشكل الشبيه والمماثل(أنا آخر)،غير أن هذا الانطباع يصطدم أحيانا بمواقف و سلوكات إنسانية تثير الغرابة وتضع المماثلة المفترضة موضع تساؤل.حيث يكتشف الأنا أنه إذا كان الغير هوالمماثل فإنه في نفس الوقت هو المخالف، المغاير(الأنا الذي ليس أنا) خلال الإحساس بمشاعر الكراهية أو أثناء ممارسة العنف...
يتضح لنا أن بنية الآخر تتضمن تناقضا ومفارقة صميمية، مما يستدعي طرح إشكالية وجوده والتفكير في إمكانية معرفته،و التساؤل حول العلاقة المفترضة معه، ذلك أنه ليس بالمماثل تماما، وليس بالمخالف إطلاقا.
فما هو الغير الذي يشكل الذات و يواجهها؟ ولماذا ينطوي على مفارقات منطقية ووجودية؟ هل وجوده افتراضي فقط أم ضروري؟ وهل من الممكن بناء معرفة حوله؟ ثم ماهي طبيعة العلاقة الممكنة معه؟ وعلى ماذا تتأسس؟

الوضعية المشكلة:
*الاشتغال على اللوحة بالتركيز على تقاطع النظرات+ مع افتراض نظرات أخرى ممكنة.
Deux têtes. crayon B, jons; Hamburger Museum
philosophie Hatier P 48
* مقتطع من نص ميلاني كوندرا Les testaments ـ Milan Kundera
"ها أنا ذا أنظر من النافذة أمامي هناك. وها هو نور الغرفة يشتعل. يدخل رجل إلى الغرفة، رأسه منخفض وهو يجوب الغرفة جيئة وذهابا، وبين الفينة والأخرى، يمرر يده على شعره. ثم فجأة ينتبه إلى أن الغرفة مضاءة وإلى أن بالإمكان أن يراه أحد. وبحركة فجائية يقوم بسحب الستارة إلى الجهة الأخرى. ومع ذلك فهو ليس في حالة صناعة أوراق نقدية مزيفة، ذلك أن ليس لديه ما يخفيه باستثناء شخصه هو، وطريقته في المشي داخل الغرفة، وطريقته في اللباس التي لاتخلو من إهمال، وطريقة مداعبة شعره. إن سعادته وراحة باله مشروطة بحريته في ألا يكون مرئيا"
تحديد مفهوم الغير:
تتحدد دلالة الغير في الفهم الشائع، أوحسب الحس المشترك في: الآخر أو الآخرين الذين يختلفون عني اعتمادا على مقاييس الجنس أو اللون أو العرق أو أوالمكانة السوسيواقتصادية أو الحضارة و غيرها ....
فالمعرفة العامية تحدد الغير بالسلب:من ليس أنا أو من ليس نحن، كما لا تميز بين مفهومي الآخر والغير إذ
ترادف بين لفظتي الآخرAutre والغيرAutrui في حين أن لفظ الغير لا ينطبق إلا على عالم الإنسان ولا ينسحب على الأشياء الحيوان...
أما في معجم روبير ROBERTفإن الغير يتحدد بكونه "من ليس نفس الشخص " و " هم الآخرون من الناس بوجه عام"، يتضح لنا أن لفظ الغير مخالف للفظ الآخر، وأن هذا الأخير أوسع منه،كما أن الغير يقابل الهوية الفردية(الأنا) أو الهوية الجماعية(النحن).

وجود الغير:السؤال المؤطر للمحور: هل وجود الغير افتراضي أم ضروري بالنسبة للأنا؟

بناء موقف نقدي رفقة التلاميذ من الأطروحة الديكارتية.

الانطلاق من التصور الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير احتمالي مفترض بالمقارنة مع الوجود الحقيقي والبديهي للذات( أنا وحدي موجود le solipsisme .أما الغير فمفترض والذي يتأسس على الإنية"أنا")

مقتطع من النص:ديكارت التأملات.
".. أنظر من النافدة فأشاهد بالمصادفة أناسا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إني أرى رجالا بعينهم ، مع أني لاأرى من النافدة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب، لكني أحكم بأنهم أناس: فإذن أنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني" ←وجود الغير مفترض واحتمالي لن يتأكد إلا من خلال العودة إلى الذات والتأمل، فالأنا مفكر هو الضامن لوجود الغير.

. وتأسيس الموقف الفلسفي من الغير ابتداء من هيجل: البينذاتية، وصراع وعي الأنا مع وعي الآخر، من أجل انتزاع الاعتراف بالأنا الذي بدونه لست موجودا كوعي:
« Sans Autrui, je ne suis rien, je n’existe pas. Je dépends de l’autre dans mon être. Car je ne suis une conscience de soi que si je me forge et me forme à travers la négation d’autrui »
Nouvel abrégé de philosophie J.RUSS A.COLLIIN P25

نص ميرلوبونتي:
" لقد شكلت مسألة وجود الغير صعوبة وإحراجا بالنسبة للفكر الموضوعي، فإذا كانت أحداث العالم ـ وفق ما قال به لاشوليي ـ عبارة عن نسيج من الخصائص العامة، وتوجد في مفترق العلاقات الوظيفية التي تسمح مبدئيا، بإمكانية تحليلها، وإذا كان الجسد يعتبر بمثابة جزء من العالم وبمثابة ذلك الموضوع الذي يحدثني عنه عالم البيولوجيا، وتلك السلسة من العمليات التي يمكن أن أجد لها تحليلا في كتب الفيزيولوجيا، وذلك الركام من الأعضاء الذي أجد وصفا تفصيليا له في لوحات علم التشريح، فإن تجربتي لن تكون آنذاك شيئا آخر عدا المواجهة مع وعي خالص، وكذا مع نسق الترابطات الموضوعية المفكر فيها. إن جسد الغير ـ مثلما هو الأمر بالنسبة لجسدي الخاص ـ ليس مأوى وإنما هو موضوع يوجد أمام وعي يفكر فيه أو يبنيه،فالناس مثلهم في ذلك مثلي كائنات امبريقية، فلسنا سوى آلات متحركة بواسطة نوابض، لأن الذات الحقيقية متفردة.
وهذا الوعي الذي سيختبئ وراء قطعة لحم نيئة هو أكثر الصفات الخفية غموضا، ولا يمكن لوعيي أن يلاقي وعيا آخر يكشف في العالم عن سريرة ظواهره الخفية التي أجهلها. هناك نوعان من الوجود ولا شيء غيرهما : الوجود في ذاته، ويخص الأشياء المنتشرة في المكان، والوجود لذاته ويخص الوعي. والغير سيكون أمامي باعتباره وجود في ذاته ومن أجل ذاته.وهذا سيتطلب مني القيام بعملية متناقضة من أجل إدراكه، إذ ينبغي علي أن أميزه عني، في الآن نفسه، أي أن أضعه في عالم الأشياء، وأن أفكر فيه كوعي، أي مثل كائن بدون خارج وبدون أجزاء. ولا يمكنني النفاد إليه إلا لكونه أنا. ولأن المفكر والمفكر فيه يختلطان داخل ذلك الغير، فلا مكان للغير ولتعددية الوعي في الفكر الموضوعي"




تحليل ومناقشة النص:
استخراج الفكرة الموجهة للنص(موضوع النص):
* مشكلة وجود الغير بالنسبة للفكر الموضوعي.
إبراز أطروحة النص:
* يميز صاحب النص بين نوعين من الوجود، الوجد لذاته والوجود
من اجل ذاته، فالإنسان دون باقي الكائنات الأخرى يتمتع بوجود
مزدوج: وجود لذاته مثل باقي الأشياء،ووجود لذاته لأنه وعي
خالص إذ يرى أن الغير يتجلى لوعي الأنا كإنسان آخر يتمتع
بالوعي ، وبالتالي لايمكن التعامل معه مثلما يتم التعامـل
مع باقي معطيات الطبيعة، فهو ليس شيئا من بين الأشياء(جماد)، كما
ليس عضوية حية فقط (جسد)، وإنما هو بالأساس ذات واعية
متخفية داخل الجسد، مما يعيق كل تعامل موضوعي مجرد معه يذهب
إلى حدود الفصل بين الذات والموضوع، يقول:" وهذا الوعي الذي
سيختبئ داخل قطعة لحم نيئة هو أكثر الصفات الخفية غموضا،ولا
يمكن لوعيي أن يلاقي وعيا آخر يكشف في العالم عن سريرة ظواهره
الخاصة التي أجهلها"، بمعنى أن الغير يبقى لغزا مغلقا أمام الفكر
الموضوعي، وبالتالي لايمكن إدراكه إلا كمماثل (كأنا).

بناء الإشكالية:
ما طبيعة وجود الغير حسب صاحب النص؟ وكيف يجب التعامل معه؟
وإلى أي حد يمكن إدراكه موضوعيا؟


البنية المفاهيمية: الأنا≠ الغير، وفي نفس الوقت ═ الأنا ؟؟؟( مفارقة)
الغير يتوفر على وجود مزدوج ← { وجود في ذاته}
← { وجود لذاته}
الذاتي ≠ الموضوعي.

أطروحات مدعمة أو معارضة:
يقول ج.ب. سارتر ”إن الغير هو الآخر الذي ليس إياي، فنحن نرى هنا إذن أن السلب بنية مكونة لبنية الغير... فالغير هو من ليس إياي و هو من لست أنا إياه“ الوجود والعدم.
← وجود منفصل عن الأنا إذ يتجلى كموضوع خارجي.
لكنه أيضا:
”هو الوسيط الذي لاغنى عنه بيني أنا وبين نفسي“ سارتر الوجود والعدم.← ضرورة الغير لإدراك وجود الأنا.
إنجاز تركيب جزئي من طرف التلاميذ بمساعدة المدرس حول محور وجود الغير: الكتابة المنظمة. ...............................................................................
ـ تغذية راجعة للمضامين المعرفية.
ـ تنظيم المادة المعرفية.
ـ الاهتمام بالجوانب الشكلية.(الإملاء والتعبير ـ التماسك بين الوحدات لغويا ومنطقيا)
ـ الاهتمام بالكتابة الإنشائية الفلسفية: ( المفاهيم / الحجاج / المناظرة..)

معرفة الغير: التقابلات الفلسفية:معرفة الغير بين الإمكان والاستحالة.
معرفة الغير بين الذاتية والموضوعية.
معرفة الغير بين الاختلاف والمماثلة.
السؤال المؤطر:
هل معرفة ممكنة أم مستحيلة؟ وعلى أي أساس تقوم هذه المعرفة؟
قولة+نص+مقتطع

يقول الفيلسوف الفرنسي ج.ب.سارتر "إن الآخر بالنسبة لي هو ماأبدو له كشيء" CHOSE / OBJET

نص ميرلوبونتي:ص126أنا أفكرـ تونس( الآخر والتواصل)
« إما أنا أو الآخر، علينا أن نختار بينهما، هكذا قيل. غير أننا نختار الواحد ضد الآخر، ونؤكد حينئذ النزاع. فيحولني الآخر إلى موضوع ثم ينفيني، وأنا بدوري أحول الآخر إلى موضوع ثم أنفيه، هكذا قيل.لكن نظرة الآخر لاتحولني في حقيقــة الأمر إلى موضوع، كما أن نظرتي لا تحول الآخر إلى موضوع إلا إذا انسحب كل منا إلى داخل طبيعته المفكرة وأضحى كل منا نظرة لاإنسانية بالنسبة إلى الآخر، إلا إذا أحس كل منا بأفعاله، لا من حيث أنه يستعيدها ويفهمها، بل من حيث يلاحظها كما لو كانت أفعال حشرة.
غير أن هذا الإحساس بوطأة موضعة كل منا بفعل نظرة الآخر، هذا الإحساس لا يصبح ممكنا في هذه الحالة إلا لأنه يحل بدل تواصل ممكن. إن نظرة كلب إلي لاتحرجني البتة. فرفض التواصل هو كذلك ضرب من التواصل إنها الحرية التي تتخذ شتــــى الأشكال، والطبيعة المفكرة، وهوية الشخص التي لايشاركه فيها أحد، والوجود الذي لاقيمة له ولا معنى، كل هذا يرسم لدي ولدى الآخر حدود كل تعاطف، ويعلق التواصل فعلا ، لكن دون أن يقضي عليه. "


ـ مقتطع من نص لقاء الإنسان بالإنسان بول ريكور. ص 236أنا أفكر تونس.
" أجل إن الإنسان غريب بالنسبة إلى الإنسان لكنه أيضا شبيهه على الدوام فعندما نحل ببلد غيب عنا تماما كما حدث لي ذلك منذ سنوات في الصين فإننا رغم إحساسنا بأقصى درجات الغربة نشعر بأننا لم نخرج البتة عن دائرة النوع البشري"

*القولة:صعوبة معرفة الغير نتيجة التشييء المتبادل بين الأنا والغير.
*النص الأول ينتقد المقاربة الموضوعية للغير كموضوع مختلف عن الأنا ومستقل عنها،ويقترح عملية التواصل كمدخل لمعرفة الغير.
*المقتطع يرى إمكانية معرفة الغير رغم اختلافه لأنه يشارك الأنا في الإنسانية.
إنجاز تركيب جزئي بمشاركة التلاميذ. التدريب على الكتابة الفلسفية المنظمة...................

العلاقة مع الغير:التقابلات الفلسفية التي يثيرها هذا المحور هي:
العلاقة مع الغير بين التمركز الذاتي والغيرية.
العلاقة مع الغير بين الصداقة والصراع.

السؤال المؤطر للمحور: ما طبيعة العلاقة مع الغير؟ وعلى ماذا تتأسس؟

النص: العلاقة مع الغير هي دائما علاقة صراع.ص41 ألكسندر كوجيف. مباهج الفلسفة.
"إذا كان الناس جميعهم ــ أو على الأصح إذا كانت جميع الكائنات التي هي في طريقها لأن تصبح كائنات بشرية ــ تنهج نفس السلوك، فإن الصراع ينبغي أن يؤدي بالضرورة إلى موت أحد الخصمين أو هما معا. فمن المستحيل أن يتنازل أحدهما عن نفسه للآخر، أو يتخلى عن الصراع قبل موت الآخر، أو أن يعترف بالآخر بدل أن ينال اعترافه. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن تحقيق الواقع البشري وظهوره سيصبح أمرا متعذرا...
لكي يتشكل الوضع البشري كواقع معترف به، ينبغي أن يبقى الخصمان على قيد الحياة بعد صراعهما، فيصبح أحدهما سيدا بينما الآخر يصير عبدا" بتصرف

يقدم هذا النص نموذجا للعلاقة السلبية مع الغير( الصراع ــ الهيمنة والسيادة ــ إثبات الذات على حساب الغير..) ويمكن توظيف مقتطع من نص النزعات العدوانية في الإنسان : فرويد لتدعيم هذا التصور.
" فالإنسان بالفعل، ينزع إلى تلبية حاجته العدوانية على حساب الآخر،وإلى استغلال عمله بدون تعويضه عنه،و إلى استغلاله جنسيا بدون رضاه، وإلى الاستحواذ على ممتلكاته و إهانته،و وإلى إنزال الآلام به واضطهاده وقتله."
فرويد .الكتاب المدرسي الفلسفة والفكر الإسلامي. السنة الثانية علمي السنة 1995

مناقشة الأطروحات السابقة:

" ليس الغريب ــ الذي هو اسم مستعار للحقد وللآخر ــ هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها...ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه للإعادة السلم إلى الجماعة. إن الغريب يسكننا على نحو غريب. إنه القوة الخفية لهويتنا، والفضاء الذي ينسف بيتنا، والزمان الذي يتبدد فيه وفاقنا وتعاطفنا. ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته.إن الغريب بوصفه عرضا دالا يجعل ال"نحن" إشكاليا وربما مستحيلا، يبدأ عندما ينشأ لدي الوعي باختلافي،وينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا، وندرك أننا غرباء متمردون على الروابط والجماعات..."
نص جوليا كريستيفا.ص63 منار الفلسفة مسلك الآداب والعلوم الإنسانية.

هناك تعليقان (2):

god يقول...

.slt Monsieur
jai beaucoup apprécié votre blog , il est bien présenté et tt mé je pense qu'il vous faudra un habillage plus "joyeux. désolé
votre humble élève
BOUBOUAL Ayoub

ima_1993 يقول...

السلام عليكم ارجو من الاستاذ الفاضل ان يضع طريقة كتبة موضوع فلسفي اثناء الامتحان الوطني اقصد ما المنهجية التي سنطبقها ومن اي عنصر سنبدا التمهيد تو الاشكالية وبعدها التحليل والمناقشة ام ماذا
تلميذتك إيمان لخشاف